الحكيم الترمذي
507
ختم الأولياء
ولا أكملهم . بل أفضلهم وأكملهم سابقوهم ، الذين هم أخص بأفضل الرسل من غيرهم . . . « والأولياء وان كان فيهم محدث ، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « انه كان في الأمم قبلكم محدّثون فان يكن في أمتي فعمر » - فهذا الحديث يدل على أن أول المحدثين من هذه الأمة عمر ، وأبو بكر أفضل منه إذ هو الصديق . والمحدّث وان كان يلهم ويحدّث من جهة اللّه تعالى - فعليه ان يعرض ذلك على الكتاب والسنة فإنه ليس بمعصوم . . . « . . . وان كان طائفة تدّعي ان الولي محفوظ وهو نظير ما يثبت للأنبياء من العصمة - والحكيم الترمذي قد أشار إلى هذا - فهذا باطل مخالف للسنة والاجماع . ولهذا اتفق المسلمون على أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلّا رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ! . . . وبهذا صار جميع الأولياء مفتقرين إلى الكتاب والسنة ، لا بد لهم ان يزنوا جميع أمورهم باثار الرسول : فما وافق آثار الرسول فهو الحق وما خالف ذلك فهو باطل . . . « ثم إن خاتم الأولياء هذا ، صار مرتبة موهومة لا حقيقة له ؛ وصار يدعيها لنفسه أو لشيخه طوائف . وقد ادعاها غير واحد ولم يدعها الّا من في كلامه من الباطل ما لم تقله اليهود ولا النصارى . كما ادعاها صاحب الفصوص وتابعه صاحب الكلام في « الحروف » وشيخ من اتباعهم كان بدمشق ؛ وآخر كان يزعم أنه المهدي الذي يزوج بنته بعيسى بن مريم ، وانه خاتم الأولياء . . . « ثم صاحب الفصوص وأمثاله بنوا الامر على أن الولي يأخذ عن اللّه بلا واسطة ، والنبي يأخذ بواسطة الملك ؛ ولهذا صار خاتم الأولياء أفضل عندهم من هذه الجهة . وهذا باطل وكذب ! فان الولي لا يأخذ عن اللّه الا بواسطة الرسول اليه . وإذا كان محدّثا فقد القى اليه شيء وجب عليه ان يزنه بما جاء به الرسول من الكتاب والسنة . « وتكليم اللّه لعباده على ثلاثة أوجه : من وراء حجاب ، كما كلّم موسى ؛ وبأرسال رسول ، كما ارسل الملائكة إلى الأنبياء ؛ وبالإيحاء . وهذا ( الأخير ) فيه للولي نصيب ، واما المرتبتان الأوليان فإنهما للأنبياء خاصة . والأولياء الذين قامت عليهم الحجة بالرسل لا يأخذون علم الدين الا بتوسط رسل اللّه إليهم . . . فكيف يكونون آخذين عن اللّه بلا واسطة ؟ ويكون هذا الأخذ أعلى ، وهم لا يصلون إلى مقام تكليم موسى ، ولا إلى مقام نزول الملائكة عليهم ، كما نزلت على الأنبياء ؟ وهذا دين المسلمين واليهود والنصارى ! « واما هؤلاء الجهمية الاتحادية ، فبنوا على أصلهم الفاسد : ان اللّه هو الوجود المطلق الثابت لكل موجود . وصار ما يقع في قلوبهم من الخواطر - وان كانت من وساوس الشيطان - يزعمون أنهم اخذوا ذلك عن اللّه بلا واسطة . وانهم يكلّمون كما كلّم موسى بن عمران . وفيهم من يزعم أن حالهم أفضل من حال موسى بن عمران ، لان موسى سمع الخطاب من الشجرة وهم - على زعمهم - يسمعون الخطاب من حي ناطق . . . « وأعانهم على ذلك ما اعتقدوه من مذهب الجهمية واتباعهم الذين يزعمون أن تكليم اللّه لموسى بما كان من جنس الالهام ؛ وان العبد قد يرى اللّه في الدنيا إذا زال عن عينه المانع ، إذ لا حجاب عندهم للرؤية منفصل عن العبد ، وانما الحجاب متصل به ؛ فإذا ارتفع ، شاهد الحق . وهم لا يشاهدون إلا ما يتمثلونه من الوجود المطلق ، الذي لا حقيقة له إلّا في أذهانهم ،